المقريزي

204

المقفى الكبير

من باب العامّة إلى المطيرة ، وأركب بابك الفيل حتّى دخل دار المعتصم . فأمر بسيّاف بابك أن يتقدّم إليه ويقطع يديه ورجليه ، فقطعهما ، ثمّ ذبحه وشقّ بطنه وحمل رأسه إلى خراسان ، وصلب بدنه بسامرّاء . وحمل أخوه إلى بغداد فعمل به ذلك ، وصلب في الجانب الشرقيّ . فكان مبلغ ما أنفق الأفشين مدّة مقامة بإزاء بابك سوى الأرزاق والأنزال والمعاون في كلّ يوم يركب فيه عشرة آلاف درهم ، وفي يوم لا يركب خمسة آلاف . وبلغت عدّة من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان على التقليل ، وعلى التكثير : خمسمائة ألف . وعدّة من أسر معه لمّا أخذ ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة أناسيّ ، واستنقذ ممّن كان في يده من المسلمات وأولادهنّ سبعة آلاف وستّمائة إنسان . وصار في يد بابك من بني بابك سبعة عشر رجلا وثلاث وعشرون امرأة . فتوّج [ 183 ب ] المعتصم الأفشين ، وألبسه وشاحين ، ووصله بعشرين ألف ألف درهم ، وعشرة آلاف ألف درهم يصرفها في عسكره ، وأدخل عليه الشعراء فمدحوه . [ فتح عمّوريّه ] وفيها خرج تيوفيل ملك الروم « 1 » إلى بلاد الإسلام ، فأوقع بأهل زبطرة وغيرها في شعبان ، وكان معه زيادة على مائة ألف ، فقتل الرجال وسبى الذريّة والنساء ، وأسر كثيرا ، فمثّل بهم وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم . فخرج إليه أهل ثغور الشام والجزيرة فعظم ذلك على المعتصم . وبلغه أنّ امرأة هاشميّة صاحت ، وهي في أيدي الروم : وا معتصماه ! - فأجابها ، وهو جالس على سريره : لبّيك ! لبّيك ! « 2 » - ونهض من ساعته وصاح في قصره : النفير ! النفير ! ثمّ ركب دابّته وسمّط خلفه شكالا وسكّة حديد وحقيبة فيها زاده ، ولم يمكنه المسير إلّا بعد التعبئة وجمع العساكر . وأحضر عبد الرحمن بن إسحاق قاضي بغداد ، وثلاثمائة وثمانية وعشرين رجلا من أهل العدالة فأشهدهم على ما أوقفه من الضّياع ، فجعل ثلثا لولده ، وثلثا للّه تعالى ، وثلثا لمواليه . ثمّ سار ، فعسكر غربيّ دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى ، . ووجّه عجيف بن عنبسة وعمرا الفرغانيّ « 3 » في عدّة من القوّاد إلى زبطرة . فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده ، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنّوا ، فسار المعتصم في جهاز لم يتجهّزه خليفة قبله ، ومعه من السلاح والآلة والعدد وحياض الأدم والقرب والروايا وغير ذلك ما يجلّ وصفه . وجعل على مقدّمته أشناس ، ويتلوه محمد بن إبراهيم بن مصعب ، وعلى ميمنته أيتاخ ، وعلى ميسرته جعفر بن دينار [ بن عبد اللّه ] الخيّاط ، وعلى القلب عجيف بن عنبسة ، فلمّا دخل بلاد الروم أقام على نهر السنّ « 4 » ، وهو على سلوقية قريبا من البحر ، بينه وبين طرسوس مسيرة يوم . وبعث الأفشين إلى سروج ، وبعث أشناس من درب طرسوس وأردفه بوصيف . ثمّ رحل لستّ بقين من رجب ، وأخبار الروم ترد عليه من عيونه ، وكتبه تسير إلى قوّاده يأمرهم وينهاهم ، ويحذّرهم ويوصيهم ، فكان أشناس إذا رحل من منزلة نزلها المعتصم في أثره حتى صار بينه وبين أنقرة ثلاث مراحل ، [ و ] ضاق العسكر ضيقا

--> ( 1 ) توفيل بن ميخائيل بن جورجيس ، الطبري 9 / 55 . ( 2 ) رواية الفخريّ 9 / 22 : وبلغه ما قالته الهاشميّة فقال . . . ( 3 ) زاد الطبريّ 9 / 64 : ابن أربخا . ( 4 ) اللمس عند الطبريّ 9 / 57 .